الاثنين، 6 أكتوبر 2008

شلومو بن عامي نزع سلاح الشرق الاوسط

اسرائيل في ركن الحلبة

يبدو أن النداء اليائس الذي وجهته إسرائيل إلى العالم لمنع ما وصفته أجهزة استخباراتها باندفاع إيران الراكض نحو إنتاج القنبلة النووية، لم يستقبل بردود الفعل الإيجابية التي توقعتها إسرائيل. فبعد أن أثبت نظام العقوبات الذي تتبناه الأمم المتحدة الآن عجزه التام، ومع فشل الدبلوماسية الدولية الواضح في منع الإيرانيين من إتقان تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم، باتت إسرائيل محصورة في ركن الحلبة. وما كان من المفترض أن يشكل جهداً دولياً للوساطة تدهور إلى مواجهة مهلكة بين إسرائيل وإيران.
وهنا يبرز نوع من الشذوذ المثير للاهتمام، فعلى الرغم من اللغة الخطابية الوضيعة المعادية للسامية التي يتبناها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، فإن العواقب الضمنية المترتبة على بروز قوة إيران تمتد إلى ما هو أبعد من الدولة اليهودية. إذ إن تأثيراتها تشمل العالم العربي بالكامل، وخصوصا بلدان الخليج الضعيفة، بل وحتى أفغانستان وباكستان. والولايات المتحدة، باعتبارها قوة مؤثرة على الأحداث في الشرق الأوسط لها مصلحة في صد تيار الانتشار النووي الذي بات الآن يتهدد الشرق الأوسط. فلا شك أن امتلاك إيران للأسلحة النووية من شأنه أن يفتح الباب على مصراعيه أمام سباق محموم إلى امتلاك القنبلة النووية في أنحاء المنطقة المختلفة.
إن إخفاق النظام الدولي في معالجة القضية النووية في الشرق الأوسط على نحو فعّال ينبع في الأساس من الانقسام بين روسيا والولايات المتحدة، والذي ساهمت في إحداثه إلى حد كبير الإستراتيجية الأميركية العنيدة. لا أحد يستطيع أن يزعم أن روسيا راغبة في بروز إيران نووية. بيد أنها في غمرة مساعيها الرامية إلى اكتساب القوة والقدرة في مواجهة السياسات الأميركية التي تعتبرها معادية، وكوسيلة للمساومة من أجل تأسيس بنية أمنية عالمية أكثر قبولاً في نظرها مع الغرب، ترفض الانضمام إلى القيادة الأميركية في الجهود الدولية الرامية إلى تقليص الطموحات النووية الإيرانية.
إن روسيا لا تحمل المفتاح إلى العزلة الإيرانية الدبلوماسية فحسب، بل وتشكل أيضاً السبيل إلى تأمين قدرة الحكومة الإيرانية على حماية منشآتها النووية- عن طريق تسليم إيران الأسلحة المتطورة التي تعهدت بتسليمها إياها بالفعل. ففي شهر أكتوبر 2007، أصبح فلاديمير بوتين أول رئيس روسي يزور إيران منذ ليونيد بريجينيف. ولقد اصطحب في زيارته تلك خمسة من زعماء البلدان الواقعة على بحر قزوين. ومنذ ذلك الوقت سعى بوتين إلى فضح إفلاس السياسة الأميركية الرامية إلى فرض العزلة على إيران. وربما تكون روسيا قادرة على ترويض النظام الإيراني، إلا أنها لن تفعل ذلك إلا في مقابل احترام أميركا لمصالحها في الجمهوريات السوفيتية السابقة، وربما أيضاً في مقابل تنقيح وتعديل الاتفاقيات الإستراتيجية التي أبرمت في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
ولكن حتى إذا تخلى الروس عن إيران فمن غير المرجح على الإطلاق أن تتنازل عن طموحاتها النووية ما لم تلق آذانا مصغية فيما يتصل بمعالجة مخاوفها الإقليمية. إن المحرك الذي يدفع إيران نحو محاولة امتلاك السلاح النووي يعكس إجماعاً وطنياً ناجماً عن شعور عميق بتعرض إيران للتهديد، فضلاً عن إحساسها بالوقوع ضحية للخيانة. فالإيرانيون يذكرون كيف وقف المجتمع الدولي موقف المتفرج حين هاجمهم صدّام حسين بالأسلحة الكيماوية أثناء ثمانينيات القرن العشرين. فضلاً عن ذلك فإن تواجد القوة الأميركية العاتية في العراق اليوم لا يشعر الإيرانيين بالاطمئنان. وإيران تعتقد أنها ضحية لمعايير دولية مزدوجة- قبول باكستان والهند كقوتين نوويتين، ناهيك عن إسرائيل- الأمر الذي يغذي شعورها بالتحامل عليها، ويعزز بالتالي من عزيمتها في ملاحقة طموحاتها.
إن فضح إيران لعجز معاهدة منع الانتشار النووي، رغم كونها من البلدان الموقعة عليها، كان في نظر إسرائيل بمنزلة الإشارة إلى أن النظام الإقليمي لم يعد من الممكن أن يظل مستنداً إلى احتكار إسرائيل للقدرة النووية، باعتبارها من غير البلدان الموقعة على معاهدة منع الانتشار النووي. وهذا يعني أن الحل في نظر إسرائيل لا يكمن في إرغام الأعضاء الموقعين على المعاهدة، مثل إيران وسوريا، على الالتزام بتعهداتهم فحسب، بل ويقوم أيضاً على تأسيس هيكل إقليمي أكثر اتساعاً للأمن والتعاون في منطقة الشرق الأوسط. بيد أنه من غير المرجح أن يوافق العرب على تأسيس مثل هذا النظام ما دامت إسرائيل ترفض مجرد مناقشة ما تمتلكه من قدرات نووية.
إن أي هيكل أمني إقليمي لابد أن يقوم على تحول الشرق الأوسط إلى منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل كافة، بما في ذلك الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية. فالشرق الأوسط مازال محتفظاً بسمعته السيئة باعتباره المنطقة الوحيدة على مستوى العالم التي استخدمت مثل هذه الأسلحة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
والحقيقة أن الدول العربية أنتجت واستخدمت الأسلحة الكيماوية والبيولوجية- ليس فقط ضد إسرائيل، بل وأيضاً ضد بلدان أخرى في المنطقة. فقد استخدمتها العراق ضد إيران، واستخدمتها مصر في حرب اليمن، واستخدمتها العراق ضد الأكراد على أرضها. وفي عام 1993 وقعت إسرائيل على المعاهدة الدولية التي تحظر استخدام الأسلحة الكيماوية، إلا أنها لم تصدق عليها بسبب رفض البلدان العربية التوقيع على المعاهدة مادامت إسرائيل محتفظة بتميزها كقوة نووية.
يتعين على المجتمع الدولي أن يدرك أن المعادلة الأمنية في الشرق الأوسط ليست معادلة بسيطة تتألف من إسرائيل في مواجهة العالم العربي. ولا شك أن انتشار الأسلحة النووية في هذه المنطقة التي أثبتت قدرتها على استخدام أسلحة الدمار الشامل من قبل لهو أمر يتهدد العالم أجمع.
إن الأمر يتطلب إذن بذل الجهود المنسقة من جانب قوى خارجية مثل الولايات المتحدة وروسيا، لا لكي تعمل كل قوة منهما كأداة لتخريب وإفساد سياسات القوة الأخرى في المنطقة، بل من أجل تحويل منطقة الشرق الأوسط الكبير إلى منطقة حرة خالية من السلاح النووي. ولن يتسنى لمثل هذا النظام الإقليمي أن يظهر إلى الوجود في ظل الخواء السياسي الحالي. وعلى هذا فإن بذل الجهود الصادقة للمساعدة في حل النـزاعات السياسية الرئيسية في المنطقة يشكل شرطاً أساسياً بالغ الأهمية. ولن تتوقف عقارب الساعة النووية عن الدوران ما لم تبدأ التحركات الجادة.


* وزير خارجية إسرائيل السابق، ويشغل حالياً منصب نائب رئيس مركز توليدو الدولي للسلام.
«بروجيكت سنديكيت» بالاتفاق مع «الجريدة»

ليست هناك تعليقات:

كيف مات الشارع

انقضى الليل , اقتلع النهارعقرب الساعة الكبير وهبط من ساعة الحائط , أراد للوقت أن يبقى كسراتٍ صغيرة تدور و تدور دون أن ترتطم بعتبة. مشى في الشارع متجهاً نحو المقهى حيث كان الرجل وحيداً يحتسي ما تبقى من تفل بارد و ما ان تلاقت العيون حتى أغمد العقرب في صدره وجلس ينتظر ....لم يأتِ الليل .