الأحد، 5 أكتوبر 2008

صالح بشير تشييء الآخر

الاخلاق القطاعية

ليس من خطأ أو من خطيئة اقترفهما إيهود أولمرت، في نظر مواطني دولته ورأيها العام وأجهزتها الأمنية والقضائية (في مستقبل وشيك ربما) بل وداخل حزبه "كاديما"، غير ذينك الأخلاقييْن. إذ لم يؤخذ على الرجل قصور أو تقصير في أداء مهامه على رأس حكومة إسرائيل أو انعدام كفاءة أو إخلال بالمصالح العليا.
هما أذن نظرة وتطلب أخلاقيان، صارمان بالغا الصرامة، أفضيا إلى ذلك المآل: استقالة أولمرت وإنهاء حياته السياسية إنهاءً مبرما على الأرجح. في ما قد يكون "عقوبة" قصوى، في انتظار تلك التي قد ينطق بها القضاء، على ذنب قد يكون طفيفا لا مميتا (إن نحن استعرنا في توصيفه مفردات المسيحية الكاثوليكية)، إذ يتعلق بفساد وبارتشاء، متواضعين حجما، يُقاسان بمئات الآلاف من الدولارات، لكن الإسرائيليين أخذوا في الاعتبار فداحتهما المبدئية فلم يتساهلوا في شأنهما.
لسنا نسعى، إذ ننوه بذلك، لا إلى تبرئة ساحة إيهود أولمرت ولا إلى الإشادة بديموقراطية الدولة العبرية ومدى تقيدها بالقانون يسري على أي كان ويحاسب على أدنى زلة، فذانك شأنان لا يعنياننا، بل أن ما يهمنا من سوْق ما سبقت الإشارة إليه، هو استجلاء مفارقة إسرائيلية، في ذلك الصدد الأخلاقي، والوقوف عندها.
تتمثل المفارقة تلك في ذلك التفاوت الصارخ بين ما تبديه الدولة العبرية من لامبالاة ناجزة، من انعدام كل تساؤل، بل من استشعار لبراءة تامة لا تشوبها شائبة، بشأن الجوانب الأخلاقية لتعاطيها مع الفلسطينيين، وبين ركونها إلى أقصى الصرامة في أمور فساد هي بالتأكيد أقل شأنا، من قبيل القضية التي تورط فيها رئيس حكومتها المستقيل. وذلك أمر لافت، خصوصا إن تذكرنا أن الدولة تلك تدين بوجودها، أقله على صعيد تسويغها، لإدانة أخلاقية كانت نتاجها المباشر، تعلقت بتاريخ من الاضطهاد مديد، بلغ أوجه في المحرقة النازية.
لعل علة تلك المفارقة تكمن تحديدا هاهنا، في أنه تم التعويض عن مظلمة أو تداركها، هي تلك التي كان ضحيتها اليهود على حساب من لم يقترفوها، أي الفلسطينيين، ما ترتب عليه منذ البداية، إعضال أخلاقي عصيّ، ما كان يمكن "التخلص" منه إلا بتمويهه، بواسطة اجتراح سردية تأسيسية، تحلّ معاناة اليهود منزلة المظلمة القصوى وتجعلهم ينفردون بصفة الضحية، بامتياز، وقد تحول الأمر فعلا إلى امتياز، كما تجعلهم يحتفظون بتلك الصفة، طالما أنهم "يبذلون" من رصيدٍ لا قرار له ولا نهاية، حتى عندما يتحولون هم بدورهم إلى جلادين.
لا يُنال ذلك إلا بالإيغال في غيْرنة الآخر (الفلسطيني) إلى درجة لا تفضي فقط إلى إخراجه من الإنسانية، بل إلى ما هو أبعد من ذلك، أي إلى تشييئ ذلك الآخر على نحو يؤدي بدوره إلى تحييده تحييدا تاما على الصعيد الأخلاقي، أي أنه يكف عن أن يكون موضوعا لتصرف يهجس بالأخلاق أو لخطاب أخلاقي. والمفارق في هذا الأمر أنه يكاد يستوي توصيفا لما فعله النازيون باليهود، إذ أقبلوا على إبادتهم وفق نفس منطق الحياد الأخلاقي ذاك، صير إلى تحقيقه بواسطة تقننة عملية الإبادة، أي تنفيذها على أنها عملية تقنيّة وبواسطة إخضاعها إلى سويّة الروتين البيروقراطي، سعيا ربما إلى تخليص المنفذين من أي شعور بالذنب قد يساورهم، ومثل ذلك مما لا يبدو أن إسرائيل في حاجة إليه في تعاطيها مع الفلسطينيين، وهي الحائزة، في نظر نفسها وفي نظر القوى النافذة والمؤثرة في العالم، على إجازة أخلاقية مطلقة.
وهكذا، وبالنظر إلى كل ذلك، ودون العودة إلى مبتدأ المأساة الفلسطينية وأصلها وفصلها، تعرض رئيس حكومة الدولة العبرية المستقيل إلى مساءلة قاسية جراء ما أتت يداه من أعمال فساد وارتشاء، تبقى في نهاية المطاف محدودة أو قطاعية، من بسيط الجنح الأخلاقية ومن عاديّها، ولكن أحدا لم يسائله داخل إسرائيل (ولا خارجها بالمناسبة) بشأن الحصار الذي ضربته الحكومة التي رئسها على قطاع غزة، والمتسم بفداحة أخلاقية أنكى بما لا يقاس، عقابا جماعيا، شاملا مبرما لا يميّز، ينال من شعب بأسره، أطفاله ونسائه وشيوخه ومرضاه، ويستوي، بأكثر المقاييس موضوعية، جرما أخلاقيا أقصى، ولكن صفته تلك، هي تحديدا ما ينسبه إلى مجال تلك الإجازة الأخلاقية المطلقة التي سبقت الإشارة إليها، وينأى به تاليا عن كل محاسبة أو حتى عن مجرد الاستنكار.
غير أن ما سلف، على أهميته، قد لا يفي في تعليل ما نحن بصدده، إن لم يكمله اعتبار آخر، لا يكتفي بخصوصية إسرائيلية كالتي أتينا على ذكرها، بل يتعداها إلى ما قد يكون سمة زماننا هذا الذي لا يحفل بالقضايا الأخلاقية والضميرية الكبرى إلا إن صادفت هاجسا أو اصطفافا سياسييْن. فالزمن هذا، استبعد من أفقه كل غائية أخلاقية كبرى ومتعالية، واستعاض عنها بأخلاقيات قِطاعية أو مهنية، لا يكاد يحفل إلا بها وبما يطالها من خروق. ووفق المنطق هذا، تتساوى جميع مناحي الحياة وأوجه النشاط البشري في خضوعها إلى المبادئ والأعراف الأخلاقية التي تخصها على نحو حصري، فلا تُساءل في ما عداها وفي ما يخرج عن إطارها، حتى وإن كان من فادح التبعات المترتبة عليها.
وهكذا، حسبُ باحث في المجال النووي أو البيولوجي أن يتقيد بما يمثل القيم السارية والمعمول بها في اختصاصه وداخل المايكرو مجتمع الذي ينتمي إليه، والذي غالبا ما يكون منغلقا أو قليل الصلة بما يقع خارجه، وليس له في ما خلا ذلك أن ينشغل بأي تقويم أخلاقي، أشمل وأوسع، لما ينجر عن نشاطه البشري، أسلحة دمار شامل تعرض البشرية للفناء أو تلاعبا بالجينات قد يفضي إلى كوارث. فمثل ذلك مما لا يحاسب نفسه ولا يحاسبه أحد بشأنه. وقس ذلك على كل مهنة أو مجال نشاط.
بالمعنى هذا، قد لا تكون "محنة" أولمرت غير شيء من هذا القبيل: محترف سياسة خرق أخلاقيات مهنته فعرض نفسه للملاحقة واستقال. أما الاعتبارات الأخلاقية الأخرى، الأسمى أو الأفدح، شأن اضطهاد شعب على نحو يضاهي الإبادة أو يحاكيها على الأقل، فذلك مما لا يعبأ به أحد.

عن الحياة

ليست هناك تعليقات:

كيف مات الشارع

انقضى الليل , اقتلع النهارعقرب الساعة الكبير وهبط من ساعة الحائط , أراد للوقت أن يبقى كسراتٍ صغيرة تدور و تدور دون أن ترتطم بعتبة. مشى في الشارع متجهاً نحو المقهى حيث كان الرجل وحيداً يحتسي ما تبقى من تفل بارد و ما ان تلاقت العيون حتى أغمد العقرب في صدره وجلس ينتظر ....لم يأتِ الليل .