زواج الفيل والنملة
تعرّض القانون الانتخابيّ الأخير لعدد من الانتقادات الصائبة والمحقّة، وكثيرٌ منها أكّد على دور القانون المذكور في إعادة إنتاج البنية السياسيّة الطائفيّة إيّاها، التي غدا وصفها بـ"المتخلّف" تحصيل حاصل.لكن المدهش أن ترتفع أصوات متحمّسة للمقاومة ولتحويل لبنان ساحةً مفتوحة للمواجهة، فتنتقد القانون من موقع إصلاحيّ وتقدّميّ، فيما يستغرب بعضها ألاّ يدافع "حزب الله" عن المرأة وعن حقوقها السياسيّة وحصولها على كوتا تمثيليّة!فالحال أن الجمع بين الإصلاح والمقاومة هو تماماً كالجمع بين الماء والنار. ذاك أن لحظات المقاومة، في لبنان وغير لبنان، تستدعي الحفاظ على الوضع القائم واستخدامه كجزء من "أصالتنا" أو "قيمنا" أو "طرقنا في الحياة" ضدّ الطرف الغريب، أو "العدوّ"، الذي نعمل على مقاومته. أهمّ من هذا أن التركيز على مجابهة ذاك "العدوّ" يحوّل الأبصار عن إصلاح الداخل، حيث المطلوب، نظريّاً على الأقلّ، رصّ صفوف الداخل وتوحيده خلف المقاومة ضدّ "العدوّ". أمّا واقعيّاً، والشواهد كثيرة، فتطلق المقاومة أقصى مشاعر الحذر والريبة الطائفيّين ردّاً على الهويّة الطائفيّة لسلاحها. والإصلاح، حتّى لو كان بالغ الشكليّة والمحدوديّة، لا مكان له في ظلّ تصعيد الغرائز الطائفيّة والمخاوف المصاحبة لها.ويعرف اللبنانيّون جيّداً كيف أن المراحل التي شهدت تحوّلات إصلاحيّة كانت، بالضبط، الحقبات التي احتكرت الدولة فيها أدوات العنف واختفى السلاح من أيدي المواطنين، كائنةً ما كانت ذريعته الايديولوجيّة. في المقابل، فإن أزمنة المقاومات على أنواعها هي أزمنة التسليم المطلق بأن زعيم هذه المقاومة أو تلك معصوم لا يرقى إليه الشكّ، وأن حزبها قائد لا يُجارى، وأن جمهورها "أشرف الناس"، حسب التعبير الشهير للسيّد حسن نصر الله. فأدنى نقد يتحوّل، والحال على ما هي عليه، انشقاقاً، بل خيانة أحياناً. وغنيّ عن القول إن الإصلاح يغدو في وضع كهذا هرطقة خطرة إذ "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، على ما أكّد ذات مرّة جمال عبد الناصر.أمّا مطالبة "حزب الله" وأمينه العامّ بأن ينتصرا لحقوق المرأة ومساواتها، فمطالبة هزليّة لا تسيء إلاّ الى الحزب وقائده. فكأن من يرفع المطالبة تلك لا يصدّق أن ذاك الحزب دينيّ في أساسه وأفكاره وتكوينه، وأن قائده، وكما أعلن بنفسه، "في حزب ولاية الفقيه"، وأن إيران، وهي موديل ذينك الحزب والقائد، ليست النموذج المرتجى على هذا الصعيد. وإذا صحّ لبعض الرهط اليساريّ تأييد المقاومة، من موقف العداء لإسرائيل، فإن افتراض العدالة الجنسيّة في المقاومة إلى الهذيان أقرب. يكفي التذكير بأن الشعار الأوّل الذي طرحه "حزب الله"، إبّان ولادته، في ساحة التداول السياسيّ، كان "حجابكِ أغلى من دمي". وقصارى القول إن الخيار، في نهاية المطاف، هو: إمّا الإصلاح وإمّا المقاومة لأن المصطلحين-المفهومين ضدّان لا يلتقيان ولا يتّسع المجال لتلفيق وحدة تجمعهما. فتزويجهما، استجابة لرغبات فانتازيّة، فكمثل تزويج الفيل والنملة... وهو ما لا يزال، حتّى إشعار آخر، بعيد المنال.
عن ناو ليبانون
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق